الأحد، 25 سبتمبر 2022

أنا ونفسي: رحلة إلى أعماق الوحدة

أنت تعلم ما هي الوحدة. تُدرك معانيها القاسية جيدًا، فربما أصابتك سهامها يومًا وخلَّفت على روحك آثارًا لا تُمحى، تركتك غارقًا في بحور من الوهن والحزن تصارع أمواجًا عاتية دون أي فُرصة للنجاة، تتذكر سوداويتها كسرداب مُظلم يخيم على أرجائه الظلام الدامس، تفشل معه في إيجاد باب الخروج، لتسير بلا هوادة نحو الهاوية، تخنُقك كمقطوعة موسيقية حزينة تشعر وكأنها تحرق أذنيك وتُدمي قلبك، تُخيفك كوحش مقيت ترعبك ذكراه في النوادر وأنت لم ترَ ظله قط، تكئبك كنهاية حزينة تفسد عليك متعتك بفيلمك المفضل، بينما تمرضك بعدوى مميتة تصيبك بالوهن ولا تفلح معها أشد العقاقير مفعولاً.

أنا والوحدة

أن تفزع دون أن تجد من يهدئ من روعك، يربت على يديك ليُخبرك أن كل شيء سيكون على ما يرام، يستمع إلى ترهاتك البالية ومصائبك العويصة بنفس القدر من الاكتراث والاهتمام، ودون ذرة واحدة من التأفف والتذمر، وكأنك حِمل ثقيل على كاهله يتمنى لو تُفرِغ ما في جُعبتك سريعًا لتلج قدماه مكانًا آخر أكثر إمتاعًا، ينصت إلى أكثر اللحظات سوءًا، أشد الخطايا كبرًا، أعنف الهفوات خطأً، دون أن يغرقك بسيل من الأحكام الأخلاقية لتتمنى حينها لو تنشق الأرض وتبتلعك.

تضفي الوحدة على لحظات حزنك وتعاستك مكونًا إضافيًا على مقاديرها لتجعلها وجبة متكاملة من البؤس والشقاء، بينما لا تتمكن من تفعيل خيار “المشاركة” إن مرت عليك نسمة عابرة من نسمات السعادة أو النجاح، فأنت لست مُتيقنًا من أن أحدًا قد يهتم بمشاعرك البالية أو يكترث لوجودك من الأساس، تخشى تلك اللحظة الثقيلة التي تمقتها بقدر ما مرت بها وجوه متجهمة غير مكترثة تُبخر نسمات حماسك وشغفك واحدة تلو الأخرى وكأنها فقاعات ناعمة تسير بلا هوادة في طريق ممهد بالأشواك، أما إن وقعت في بوتقة من الخيارات المصيرية فلا تجد من يمد إليك يداه ليرشدك إلى الطريق الصحيح، ولكنك وحدك تنتقي اختياراتك على طريقة اليناصيب.

أنا رفقتي الوحيدة

هل جربت أن تشاهد مباراة كرة قدم وحيدًا دون رفيق؟ أن تقفز فرحًا لفوز فريقك وتعلو مشاعرك عنان السماء دون أن تجد من تضرب يديك بيديه وترتفع صيحاتكم معًا في لحظات الحماس الممزوجة بالفرحة العارمة؟ تتابع مسلسلك المفضل دون أن تحظى برفيق يشاركك المشاهدة والنقاش العميق حول الحبكة وفريق العمل أو حتى البطل الوسيم الذي أثار إعجابك، ينتظر الجميع لحظات إصدار مطربهم المفضل الألبوم المنتظر، يتبادلون الأغاني وينسجون الخيالات حول العلاقة السرية التي كانت الدافع الأكبر ليغني المطرب الشهير لونًا لم يعتد عليه طوال تاريخه، بينما لا تجد أنت سوى جُدران غرفتك لتشاركك الاستماع والنقاشات البائسة.

لا رفيق لك في ليالي الشتاء الباردة سوى كوب النسكافية الدافئ وسُترتك المبطنة والأفلام التي أصبحت تحفظ مشاهدها أكثر ممن قاموا بتأدية أدوارها، لا صاحب لك في رحلات الصيف الحارة وجلسات الشواطئ المُسلية التي تكتفي خلالها بمصادقة الشمس والفضفضة مع البحر باعتبارهم رفقتك الوحيدة وإن لم تكن صديقهم الوحيد. لا شريك لك في جرائم الطفولة البريئة ولا خطط المراهقة الصبيانية ولا هفوات الشباب العنيفة، الكرسي المجاور لك في جلسات السينما إما يسكنه غريب أو يخلو من أي جليس، بينما يعلو الطاولة طبق واحد في المطعم الذي حلمت بتجربته يومًا، لا صاحب لتحاكيه عندما يخفق قلبك لأول مرة، أو عندما اشتريت قطعة الثوب التي خطفت عقلك منذ رأيتها، أو إن قُبلت في الوظيفة التي اعتقدت أنك بعيد كل البعد عنها، أو حتى لتشاركه المنشورات الرديئة على وسائل التواصل الاجتماعي، إنما يتغير الكون من حولك بينما تمارس أنت فعل المشاركة وحيدًا.

انتظار الانتظار

تقضي أيامًا طوال في العزل الإجباري متواريًا عن الأعين، منغلقًا على ذاتك، تمضي الساعات أبطأ من سير السلحفاة وأنت تحدق في سقف غرفتك بينما تحادث أصدقاءك الوهميين وتغرق في بحر من الخيالات التي لا تتعدى فرضية حدوثها نسبة الـ1%، يصبح للانتظار لون حزين بائس لا ملامح له وأنت تنتظر أن ينقضي اليوم بكل أحزانه ومآسيه لتبزغ شمس يوم آخر لا يخيم على ساعاته أي جديد.

“مستر انطوائي” أو “سيدة منغلقة” هكذا يميزك من حولك، بمجرد أن يُذكر اسمك أو يُرى طيفك يبدؤون في إطلاق سيل من النِكات والنوادر على الشخص الذي قضى نصف عُمره دون رفقة، الشخص الذي يحتاج إلى خطط معقدة ليفارق غرفته وأيامًا طوال ليقرر إجراء مكالمة تليفونية لا تستمر في العادة أكثر من خمس دقائق! الشخص الذي يعتبر رنة الهاتف نذير شؤم بينما رسائل الواتساب تنذر بكارثة على وشك الحدوث، الشخص الذي يتلجلج في حديثه مع الغرباء وكأنها عملية حسابية معقدة، بينما يحادث ذاته في الغرف المغلقة بطلاقة، الشخص الذي لا يشبه أحدًا ولا أحد يشبهه.

لم تحظَ بصديق واحد حقيقي طوال حياتك، إنما ظللت محاصرًا بصداقات عابرة مؤقتة، لا اهتمامات مشتركة، لا لغة حوار واحدة، لا تشابهات، وكأنك لاعب كرة ينتقده الجميع لأنانيته المفرطة ويتساءلون لماذا يمارس الفردية في لعبة أهم ما يميزها الجماعية، ولكنه في الحقيقة فشل في إيجاد من يمرر له الكرة، فاتجه إلى الحل الفردي، لأنه طريقه الوحيد لهز الشِباك.

التصالح مع الوحدة

شيئًا فشيئًا أصبحت الخطوات التي تلجها قدماك عنوة تستحوذ على كامل شخصيتك وحياتك، فلم تعد الوحدة تخيفك كوحش شرس تفر فور رؤيته، إنما تغيرت الأدوار وأصبح ذلك الوحش صديقك المفضل الذي تجد معه الملجأ والمعزى، لم تعد غرفتك تلك الزنزانة التي تقبع فيها قهرًا، إنما أصبحت ملاذك المُفضل الذي يحتضنك بعيدًا عن العالم الذي لم يفهمك يومًا، تشتهي تلك اللحظات التي تقضيها بغرفتك تشاهد فيلمًا أو تقرأ كتابًا أو تتصفح صفحات التواصل الاجتماعي، أو حتى تحادث ذاتك بتفاصيل يومك التي لا تهم أحدًا غيرك، كمثل اشتهائك لقطعة الكريز أعلى التورتة التي يتسابق الجميع للظفر بها.

أصبحت تهرب فعليًا من تكوين الصداقات وأضحت همًا ثقيلاً على قلبك، فربما اعتدت العيش وحيدًا دون رفيق، تجيد ألاعيب المراوغة والإفلات من أي مناسبة اجتماعية أو تجمع مثل لاعب محترف يصنع الفارق في صفوف فريقه المحلي. لم تعد تضايقك الوحدة، إنما أصبحت بمثابة جزء من شخصيتك، وكأنها تميزك عن الجميع، لم يعد السؤال المُكرر عن “لماذا أنت وحيد؟ وكيف تقضي أيامك هكذا؟!” يثير جنونك وتستشيط غضبًا فور سماعه، إنما أصبحت تعتلي وجهك ابتسامة ساخرة وتُجيب بكل هدوء عن كيف يُخلف الأمر في نفسك راحة ولذة لا تعلم مصدرهما!

ربما تأتي عليك لحظات تفتقد وجود الصحبة من حولك، ولكنك في النهاية اعتدت الوحدة واعتادت عليك، كمِثل زوجين يحسدهما الجميع على علاقتهما المثالية، وهما في الحقيقة لا يطيق أحدهما الآخر، ولكنهما اعتادا على التأقلم والتعايش معًا مهما كلفهما الأمر.

في يوم مولدي الثامن والعشرين: العمر ليس مجرد رقم!


في اليوم السابع من الشهر الماضي كُنت على موعد مع يوم مولدي الـ 28، مَر الاحتفال باردًا، هادئًا، دون أي حدث مُميز أو ذكرى حلوة عابرة تجعلني أبتسم. لم يكن هناك احتفال من الأساس، إنما مُجرد يوم عادي كسابقه من أيام، لم يحمل شيئًا مميزًا من ذلك النوع الذي يقلب اليوم رأسًا على عقب، ويحوله من مجرد يوم بائس لا ملامح له، إلى ذكرى لطيفة أتغنَّى بها، لكن لا شيء مميز، فقط بعض التهاني الباردة الخالية من أي مشاعر أو عواطف، والتي أُرسلت بدافع الواجب، ولم يتغير به شيء سوى عمري الذي نقص عامًا آخر.

منذ فترة طويلة، لم تعد مناسبة عيد الميلاد تُبهجني مثلما كانت تفعل، كانت قديمًا تُثير شغفنا للحياة وتترك أثرًا حلوًا في نفوسنا، كنا نعتبرها بمثابة خطوة تقربنا أكثر من أحلامنا، وكأننا نصعد درجة في سُلم طموحاتنا التي تبلغ عنان السماء، كنا ننتظرها ونحن صغار على أحر من الجمر، ونعد الأيام تشوقًا لقدومها، نختار أفخم الفساتين لارتدائها ونُنظم الاحتفالات وندعو أقرب الناس إلينا ليشاركونا فرحتنا. مؤخرًا اختفى ذلك الشعور المُفرح، وأصبحت تُثير في قلبي حزنًا وشجنًا لا أعرف مصدره.

لم أعد أنتظر عيد ميلادي مثلما كُنت أفعل، إنما أصبحت أهرب منه ومن ذكراه. أصبح اليوم ثقيلاً على قلبي كجحر يزن مئات الأطنان، عرفت شعور صديقتي تلك التي كانت تختفي عن الأنظار في هذا اليوم. كنت أتعجب مما تفعل وأفكر لماذا قد يهرب شخص من ذكرى حلوة كتلك! حتى فهمت لماذا تتصرف على النحو الذي كُنت أظنه غريبًا، ولكنه بدا لي منطقيًا بعد ذلك.

أطفأت هذا العام 28 شمعة بالتمام والكمال، لا أعرف كيف ومتى حدث هذا! أشعر وكأنه رقم كبير يثير في داخلي رهبة وقشعريرة غريبة، رغم أن البعض يراه ينضح بالشباب والانطلاق. في وقت سابق كنت لأفرح بذلك، كنت لأشعر بمشاعر أخرى مختلفة غير تلك التي أنا عليها الآن، مزيد من التحرر، القوة، الانطلاق. كنت لأقل لنفسي بسعادة وثقة وانتصار “هنيئًا يا أنتِ؛ تجاوزتِ سن الطفولة والمراهقة بما تحمله من قيود ومخاوف، ودخلتِ مرحلة الرُشد، حيث النُضج والتحرر. أصبحت تملُكين نفسك وقراراتك الآن، ويمكنك أن تفعلي ما تريدين وما يمليه عليك عقلك”.

ربما كبرت للدرجة التي قد تجعلني أتصرف على النحو الذي أريده دون قيود أو تدخلات، نعم أشعر بالتحرر والانطلاق، ولكن في المقابل أشعر أيضًا بالشجن والحُزن. هناك غُصة غريبة ومُوجعة في قلبي لا أعرف مصدرها. أشتاق لطفولتي وأحن لكل لحظاتها وتفاصيلها، أشمُّ تلك الرائحة فيقفز في عقلي ذكرى حُلوة بعيدة لطالما تمنيت أن تعود، ثم أسمع تلك الموسيقى فأسافر عبر الزمن إلى لحظات مرت في حياتي وأنِستُ بها.

أنظر إلى البعض في عمر الطفولة فأشتاق لطفولتي التي لم أعشها كما أردت، بل وأشعر بالغيرة عندما أراهم يلهون ويلعبون، ثم أتذكر طفولتي البائسة وأشعر بالضيق، أرى فتيات في عُمر المُراهقة يعشن سنهن بالطريقة التي تمنيت أن أعيشها، وأشتاق لمراهقتي، أنظر إلى الشباب وأفكر في مصيري، وهل سأحظى بالحياة التي تمنيتها يومًا أم سأنتهي مجرد نسخة واهية مثل مئات النُسخ التي أراها كل يوم دون أي إنجاز واحد يُذكر!

أفتقد أيامًا كان أكثر همي تأخر والدي في إحضار مجلتي المُفضلة، وحروبي الطفولية السخيفة مع أشقائي الذكور عندما يعبثون بعرائسي ولُعبي، ولحظات حُزني عندما أضطر أن أترك مشاهدة كارتوني المُفضل لأنام مُبكرًا، وبكائي عندما أجبر على الاستيقاظ مبكرًا وشرب كوب اللبن الذي لم أحبه يومًا.

كانت حياه مُريحة، هادئة، تلك التي تتصرف بها دون تفكير، كانت حروبنا طفولية لذيذة لا خاسر ومنتصر بها، كان هناك دائمًا أحد يقف في ظهرك يمنحك الأمان ويمكنك أن تعتمد عليه في كل شىء، كان هناك متسع من الوقت للتجربة والتعلم، تسقط لتقف مُجددًا، تقع لتُسندك أيدي أحدهم لتنهض مُجددًا وتُكمل طريقك، كان هناك دائمًا فُرصة أخرى ومتسع من الوقت للخطأ وإفساد الأمور دون عقاب أو حساب.

أما الأن فأنا كبرت بما يكفي لأفهم، كبرت لأعرف أن العمر ليس مجرد رقم كما يدعون، إنما هو أكبر من ذلك، لتصبح لدي مخاوف ومعارك أكبر من النوم باكرًا وتأخر والدي عن شراء مجلتي المُفضلة، كبرت لدرجة أنني أصبحت أرى عُمري كالحد الأقصى المطلوب لبعض الوظائف.

أصبحت أحاديث الزواج والأطفال شيئًا عاديًا، فالقاعدة الآن أن أجد من في مثل سني يرتدين دبلة إما في اليد اليمنى أو اليسرى، بل وأحيانًا تجر وراءها طفلاً يتعلق في آخر ثوبها، أما الاستثناء فهو أن تبقي في ذلك السن دون زواج. كبرت لأعي أنه عليَّ أن اتدبر شؤوني وحدي، ولا مجال للتجربة والخطأ بعد، ربما تخلصت من قيود الطفولة حيث نتيجة الثانوية العامة وعقاب الأهل، ولكن أصبحت هناك قيود أكبر بكثير، قيود من ذلك النوع الذي يجثُم على قلبك ويسلبك راحتك ويؤرق لحظات حياتك.

أشعر وكأني في سباق طويل لا أعرف متى سينتهي، وهل سأصل في الموعد أم سيفوتني السباق برُمته. أفكر في كُل مرحلة في أشياء كثيرة تؤرقني، في أحلام كُنت أحلم بها وأنا مفتوحة العينين، هل ستتحقق أم ستقف عند كونها مجرد أحلام واهية. أنظر إليها من بعيد وهي تبتعد عني حتى تختفي عن الأنظار، دون أن ألمسها بيدي وأشعر بها. أفكر في أشياء كثيرة على قائمة أحلامي أتمنى لو سنحت لي الفرصة لأفعلها، ولكن يظل هناك سد منيع بيني وبينها لا أعلم كيف يُمكنني تجاوزه يومًا.

في وظيفة أحلامي التي تمنيتها هل سأكون محظوظة بما يكفي لأعمل بها ولو ليوم واحد، أم عليَّ تقبل وظيفتي تلك تحت شعار “إن لم تجد وظيفة أحلامك فكل وظيفة تعمل بها هي وظيفة أحلامك”. في إن كُنت سأحصل يومًا على أصدقاء حقيقيين ممن يحسدك البعض على علاقتك بهم وليس مُجرد قوائم اتصال. في ماذا ينتظرني في نهاية السباق، هل نفس الحياة الروتينية التي أعيشها أم يُخبئ لي شيئًا جديدًا، هل يكون عامي الـ 28 عام حظي أم يستمر هذا الروتين القاتل عامًا آخر؟ هذا ما أتمنى أن أعرف إجابته قريبًا ليستريح قلبي ويرتاح عقلي

السبت، 9 يوليو 2022

هل الموت يُفقدنا أنفسنا.. أم يُفقدنا مَن نُحب؟

 


"أشعر بالحزن طوال الوقت، لم أعد الشخص نفسه، خسرت نفسي، وكل الأشياء الجيدة، كل السعادة وأي فرح، أكون ساخرًا أحياناً ويظنون إنها مجرد انتكاسة لكنها ليست كذلك .. هكذا أصبحت طوال الوقت، كل شيء مجرد واجهة، لست بخير لكنني أتذكر شعوري الطبيعي لهذا أتظاهر بذلك لكن هذه حقيقتي الآن، وأريد أن أكون طبيعيًا من جديد لكنني ضعيف" - ريكي جيرفيه، مسلسل After life

                                    لقد رحل أبيك..

حينما اختبرت مشاعر الموت القاسية لأول مرة عندما ودعت أبي لمثواه الأخير، شعرت لأول مرة بقسوة الأيام التي لم أتوقع يومًا أن اتجرع مرارتها، كدّت أجن وأنا أحاول استيعاب أن هناك شخص ما كان يقضي كل ساعات يومه برفقتي وفي لحظة واحدة فارقة اختفى بلا عودة..

لم أجرب شعور الفقد يومًا فإما كنت طفلة لا تستوعب ما يدور حولها أو لم يهمني الأمر بالقدر الكافي، فلست أنا هذا الشخص العاطفي الذي يتأثر بكل حادثة وفاة تحدث من حولي، فطالما الأمر كان يحدث خارج نطاق منزلنا إذا لا يهم أي شيء آخر .. لم أعتقد يومًا أن تشملني دائرة الموت تلك وتخطف فردًا من أفراد عائلتي، خاصةً أبي، فقد كنت أظن أن الآباء دائمون، سيظلون هنا دائمًا وسنبقى جميعًا معًا إلى أخر تلك الحياة .. لكني كنت مخطئة!

لازلت أتذكر شعوري عندما سمعت كلمة «لقد رحل أبيك» لأول مرة .. حزن وألم وصدمة وخوف من المجهول، لم أفهم حينها كيف لبضع كلمات صغيرة أن تصبح كمثل قنبلة موقوتة تنسف الحياة السابقة بأكملها، وتشوه أيضًا ما بعدها.. 

كنت أفكر حينها في تفاصيل لم أعرف حتى إنها مازالت عالقة في خبايا ذاكرتي، كلها كانت تفاصيل يومية «روتينية» وطبيعية، لكنها صارت بعد تلك الجملة «ذكريات تُبكي العين وتُدمي القلب عند تذكُرها» ... صوت استدارة المفتاح معلنة وصول أبي إلى المنزل، هرولتنا بعد وصول أبي من عمله ونحن نتسابق لفتح الأكياس واكتشاف محتوياتها، تذوق أبي للطعام قبلنا ليتأكد من نظافته وجودته، صوته المميز وهو يحاول الوصول إلى أحدنا ليخبره بشيء ما أو يطلب منه أي طلب يومي اعتيادي، جلوسه المستمر على أريكته المفضلة أمام شاشة التلفزيون وهو يُتابع المباريات في حِرص زائد  ... هل كنت أتوقع يومًا أن اشتاق إلى تفاصيل يومية كانت تحدث كل يوم فعليًا؟ .. أبدًا لا!

حينها تساءلت هل الموت يُفقدنا أنفسنا أم مَن نُحب؟

عندما يزورك هذا الضيف الثقيل يتغير كل شيء للأبد، تتلاشى الذكريات، يخُفت صوت الضحكات ويرتفع صوت النحيب، تعم الكآبة والرهبة محل الفرح .. يصبح للحياة صوتًا مبحوحًا بعد أن كانت تُزينها زقزقة العصافير والموسيقى العذبة.

فنحن لا ندفن مَن نُحب فقط إنما ندفن رفقتهم كل شيء يجعلنا أحياء، أرواحنا، مشاعرنا، ذكرياتنا، ضحكاتنا، ولا يتبقى لنا حينها سوى الألم والحزن ولحظات الشجن القاتلة .. ترتفع أرواحهم إلى السماء وتهبط أجسادهم نحو القبور، بينما تهبط أرواحنا معهم وتبقى أجسادنا عالقة، تائهة تبحث دائما عن شيء مفقود لا تدري ما هو ولكنها تعلم أنها تفتقده..

أحياناً أتساءل ما جدوى الذكريات طالما لن تدّم طويلاً؟

تهاجمني لحظاتنا السعيدة معًا وأبكي حزنًا عليها، هنا جلسنا سويًا نضحك أمام فيلم شاهدناه كثيرًا، هنا جمعتنا مباراة كرة القدم وجلسنا نُشجع ونحلل ونهتف بحماس، هنا جلسنا لساعات طويلة نتسامر ونضحك ونفرغ همومنا كل منا في جعبة الأخر حتى تلاشت وكأنها لم تكن .. كانت الحياة بسيطة وهادئة وليتها بقيت كذلك.

صارت تلك اللحظات منذ ذلك اليوم تُحزنني بعد أن كانت مصدر سعادتي، صدقت حينها مقولة أحدهم بأن كل اللحظات سوف تغدو ذكريات أليمة يومًا ما، فالذكريات السعيدة ستصبح خنجرًا يلتهم قلبك عندما يختفي صانعوها من حولك، تفتقدها في البداية، ثم تحزن لتذكرها، ثم ينفطر قلبك على زوالها، ثم لا وجود لنسمات السعادة فقط حُزن وألم، أما تلك السيئة فلن تنساها أبدًا مهما حييت، ستبقى عالقة داخل عقلك لتُفسد عليك كل لحظات يومك، يزداد ألمك تجاهها يومًا تلو الآخر بل ويُحضر رفقته ضيفًا ثقيلاً يُدعى تأنيب الضمير.

أحياناً كُنت أتمنى لو كانت الذكريات ترحل رفقة أصحابها، تخيل أن تملك القدرة على دفن ذكرياتهم معهم، أن تملك زرًا سحريًا بمجرد أن تضغط عليه تُمحى كافة الذكريات للأبد دون رجعة، أليس هذا أفضل من أن تُعذبك ذكراهم وذكرياتهم معًا كل ثانية، ما جدوى الذكريات أصلاً طالما رحل أصحابها وتركوها لنا لتعذبنا وتنهش في قلوبنا حزنًا وآلمًا!.

ما بين الحُلم والواقع يظهر ويختفي أبي..

يظهر أبي في أحلامي بين الحين والآخر، نتحدث ونتسامر، يسأل عن أحوالي واسأله عن أحواله، أشعر حينها وكأن الكون يمنحنا بضع لحظات سويًا حتى وإن كانت سرابًا .. سرعان ما أعود للواقع المؤلم لاكتشف خلوه من أبي، أكتشف إنني سأضطر لحضور حفل زفافي بمفردي، سأتابع أيضاً كل المباريات دون وجوده بجانبي، سأظل أذرف الدموع أمام أفلامنا المفضلة وحدي، ولن يكون بجواري حينما أحرز تقدمًا في مستقبلي ليطير فرحًا معي أو أعود خطوات للخلف فيطيب خاطري .. سأضطر كل يوم أسرق لحظات النوم لأكون بجواره حتى لو لبضع دقائق..

يعتقد الجميع أننا بخير بسبب شدة تقمصنا لدور «أننا بخير»، وعندما نفشل في تخبئه دموعنا أمامهم يستنكرون فعلتنا ويتحدثون عن كيف أن الوقت يداوي الجروح لكنهم لا يفهمون ..

لا يعلمون أننا نمر بمراحل الموت كل يوم وفي كل ساعة، ننكر موتهم ولا نصدق أنهم رحلوا تارة، نتقبل الأمر ونشعر بتجاوزنا إياه تارة أخرى، نمتلك طاقة غضب وحزن كبيرة تُبقينا لأيام طويلة لا نقوى فيها على مواجهة العالم ثم نعود لنفكر ترى هل يمكننا فعل أي شيء في سبيل عودتهم؟ وعندما تصدمنا الإجابة نحزن ونكتئب مرة أخرى.

وماذا بعد؟

أكثر ما كان يشغلني في تلك المرحلة هو «ماذا بعد؟»، أنفض العزاء ورحل الجميع، خذلني البعض بعد أن تعهدوا بالبقاء بجواري والبعض الآخر أبعدتهم دوامة الحياة .. كنت أفكر هل سأظل غارقة في أحزاني لا أقوى على ترك فراشي، يتحرك كل شيء من حولي بينما انا ماكثة في تلك البقعة المظلمة أرفض المضي قدمًا كمثل عجوز مُسنة تعيش على حطام الذكريات، فالموت كما قيل لي «يُصيينا بشيخوخة الحياة» .. أم أن هناك سبيل آخر؟

«الحياة تمضي وتستمر» أعلم إنها جملة «سينمائية قليلاً» لم احبها يومًا لكنها حقيقية حتى وإن كانت قاسية بعض الشيء .. فالعالم يستمر غير آبه بمشاعرك أو أحزانك .. كل شيء يسير إلى الأمام ولا يتوقف ولو لثانية واحدة .. وأنت لا تملك سبيلاً للعيش سوى بمواكبة تلك «الحياة».

كانت تلك الجملة رغم قسوتها إلا أنها كانت السبيل الوحيد لأحيا من جديد بعد شهور طويلة قضيتها حبيسة «فقاعة الموت المظلمة» رفقة الألم والحزن ولحظات الشجن والأفكار السوداء حتى كادت أن تبتلعني بداخلها للأبد.

كيف فعلت ذلك .. صدقني الأمر لم يكن بسيطًا، بدأت باستشارة المتخصصين فهم الوحيدين الذين يملكون حلاً لكل عقدة، وضعوا قدمي على أول الطريق الصحيح، ألقيت بهمومي وأحزاني في جعبة مَن أُحب، فالحزن كما يقولون يقل حينما يشاركك فيه أحدهم، دفنت نفسي وسط المذاكرة والعمل فوقت الفراغ اللامتناهي هو عدوك اللدود في تلك الفترة، ولم أترك لنفسي أيضاً مجالاً كبيرًا للبقاء بمفردي .. ولا يجب أن تفعل أنت أيضاً فصدقني همومك تلك التي تحاول إبعادها عنك طيلة اليوم ستفترسك بلا رحمة بمجرد بقاءك بمفردك.

الأن مر أكثر من عام على وفاة أبي لازالت أعاني من فقدانه وأتمنى لو استيقظ يومًا لأجده جالسًا على أريكته التي ظل يحتويها لمدة قد تصل إلى أربعون عاماً .. لكنني بدأت أعي وأفهم قليلاً، ليس عليّ نسيانه ولا تجنب ذكراه ولكن تقبل رحيله وفهم أن تلك هي سنة الحياة التي لا نستطيع تغييرها، الآن أستطيع تذكره وقص ذكرياتنا معًا بينما ترتسم على وجهي ابتسامة صغيرة حتى وإن كانت تحمل مرارة قاسية خلفها .. ولكن على الأقل توجد ابتسامة.. فهذه هي الحياة وهذا هو نحن..


لذة ألم النهايات...

في غمرة الروتين القاسي، والأيام التي أصبحت تتكرر بنفس التفاصيل الرمادية، والساعات التي حفظت ترتيب أحداثها عن ظهر قلب، والدقائق التي أكاد أجز...